الشوكاني

413

فتح القدير

منازع يتصرف في ملكه بما شاء من التصرفات التي من جملتها أنه يحيى من قضت مشيئته بإحيائه ، ويميت من قضت مشيئته بإماتته ، وما لعباده من دونه من ولي يواليهم ولا نصير ينصرهم ، فلا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى ، فإن القرابة لا تنفع شيئا ولا تؤثر أثرا ، بل التصرف في جميع الأشياء لله وحده . قوله ( لقد تاب الله على النبي ) فيما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من الإذن في التخلف ، أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين . وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أوله ، لأن كل العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار . وقد تكون التوبة منه تعالى على النبي من باب أنه ترك ما هو الأولى والأليق كما في قوله - عفا الله عنك لم أذنت لهم - ، ويجوز أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب ويتوبوا عما قد لابسوه منها ، وكذلك تاب الله سبحانه على المهاجرين والأنصار فيما قد اقترفوه من الذنوب . ومن هذا القبيل ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله " إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يتخلفوا عنه ، وساعة العسرة هي غزوة تبوك ، فإنهم كانوا في عسرة شديدة ، فالمراد بالساعة جميع أوقات تلك الغزاة ، ولم يرد ساعة بعينها ، والعسرة صعوبة الأمر . قوله ( من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم ) في كاد ضمير الشأن ، وقلوب مرفوع بتزيغ عند سيبويه ، وقيل هي مرفوعة بكاد ، ويكون التقدير من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ . وقرأ الأعمش وحمزة وحفص " يزيغ " بالتحتية . قال أبو حاتم : من قرأ بالياء التحتية ، فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد . قال النحاس : والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجمع ، ومعنى ( تزيغ ) تتلف بالجهد والمشقة والشدة ، وقيل معناه : تميل عن الحق وتترك المناصرة والممانعة ، وقيل معناه : تهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة . وفي قراءة ابن مسعود " من بعد ما زاغت " وهم المتخلفون على هذه القراءة . وفي تكرير التوبة عليهم بقوله ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها ، هذا إن كان الضمير راجعا إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم . وإن كان الضمير إلى الفريق فلا تكرار . قوله ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) أي وتاب على الثلاثة الذين خلفوا : أي أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم . قال ابن جرير : معنى خلفوا تركوا ، يقال خلفت فلانا فارقته . وقرأ عكرمة بن خالد " خلفوا " بالتخفيف : أي أقاموا بعد نهوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى الغزو . وقرأ جعفر بن محمد " خالفوا " وهؤلاء الثلاثة : هم كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع أو ابن ربيعة العامري ، وهلال بن أمية الواقفي ، وكلهم من الأنصار لم يقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم توبتهم حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم ، وقيل معنى خلفوا فسدوا ، مأخوذ من خلوف الفم قوله ( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) معناه : أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية ، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وما مصدرية : أي برحبها ، لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى الناس أن يكالموهم ، والرحب : الواسع ، يقال : منزل رحب ورحيب ورحاب ، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي . ومعنى ضيق أنفسهم عليهم : أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة ، وعبر بالظن في قوله وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) عن العلم : أي علموا أن لا ملجأ يلجئون إليه قط إلا إلى الله سبحانه بالتوبة والاستغفار . قوله ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) أي رجع عليهم بالقبول والرحمة ، وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة ليتوبوا عنها ويرجعوا إلى الله فيها ويندموا على ما وقع